قراءة المقال
رحلة عمرٍ مع التقنية: كيف فتح الذكاء الاصطناعي باب الصناعة لمن يملك الخبرة
٤ يونيو ٢٠٢٦•بقلم المطور عيسى الكبيسي
منذ سنوات مبكرة، لم تكن التقنية بالنسبة لي مجرّد أدوات أستخدمها، بل عالماً واسعاً من الفضول والتجربة والاكتشاف. بدأت علاقتي بالحاسب في أواخر الثمانينات، حين لم تكن الأجهزة منتشرة ولا المعرفة متاحة بسهولة. كانت كل تجربة تحتاج صبراً ومتابعةً وتكراراً، وهذا ما جعلني أتعلّم التقنية من واقع الممارسة لا من السطح.
#### البداية: حين كانت المعرفة تُكتسب بالصبر
كانت بدايتي مع جهاز «صخر»، أحد أوائل الأجهزة التي فتحت أمامي باب التعامل مع الحاسب واللغة العربية. منه فهمت أن التقنية ليست شاشة، بل منظومة كاملة تحتاج فهماً وتدرّجاً.
ومع بداية التسعينات، انتقلت إلى أنظمة ويندوز، وعاصرت تطوّرها من 3.1 إلى 95. لم يكن تثبيت النظام كما هو اليوم؛ كنت أتعامل مع الأقراص المرنة وأُدخلها بالتتابع، قبل أن تأتي الأقراص المضغوطة لتُحدث ثورة حقيقية في حينها.
#### الإنترنت: عالم جديد ومجتمعات أولى
مع دخول الإنترنت بدأت مرحلة مختلفة تماماً. كان بطيئاً ومحدوداً ويتطلّب معرفة بالإعدادات، لكنه كان مدهشاً. تعرّفت على برامج المحادثة الأولى مثل Freetel، ثم جاء mIRC ليصبح نقلة كبرى في عالم الدردشة والمجتمعات الافتراضية.
لم أكن مستخدماً عادياً لـ mIRC، بل تعمّقت فيه — خصوصاً في إعداد البوتات وإدارتها. تعلّمت كيف تُدار القنوات، وكيف تُكتب الأوامر، وكيف ينظّم البوت المحادثات ويحمي القنوات. كانت تلك من أكثر التجارب التي صقلت معرفتي، لأنها جمعت الفهم العملي بالمنطق البرمجي وإدارة المجتمعات في وقت مبكّر جداً.
#### المنتديات: من جواهر الإنترنت إلى عرب نوكيا
ثم جاءت مرحلة المواقع والمنتديات، وهي من أهمّ محطّاتي. عاصرت صعود المنتديات العربية حين كانت المصدر الأهمّ للنقاش وبناء المجتمعات. امتلكت وأدرت «منتدى جواهر الإنترنت»، ثم انتقلت إلى إدارة منتدى ضخم باسم «عرب نوكيا» تجاوز عدد أعضائه المليون، بقاعدة بيانات تخطّت 40 جيجابايت أدرتها باقتدار. خلال ذلك طوّرت أنظمة المنتديات بنفسي بالقراءة والتطبيق، وعملت على ووردبريس وجوملا، وفهمت بنية ملفات PHP ووظيفة كل ملف.
#### الثغرة الوحيدة
رغم كل هذه الخبرة، كان أمامي عائق واحد: لأنني لم أدرس البرمجة أكاديمياً، كانت تواجهني تفاصيل تقنية يصعب تجاوزها وحدي، فتوقّف نموّي عند حدٍّ معيّن. لم تكن المشكلة في الفهم — كنت أفهم الأنظمة من جذورها — بل في الأداة التي تترجم الفهم إلى تنفيذ.
#### الذكاء الاصطناعي: الأداة التي أكملت الصورة
ثم جاء الذكاء الاصطناعي وسدّ تلك الفجوة تماماً. بخبرتي المتراكمة في فهم الأنظمة، صرت قادراً على بناء أي موقع بأي لغة، وأتقنت فنّ صياغة «البرومبت» وأهميته.
واليوم أعمل بطريقة مبتكرة: أُشغّل نموذجين معاً — نموذج محادثة يصيغ التعليمات الصحيحة، ونموذج برمجة ينفّذها — وأجعلهما يتحاوران، حتى صياغة البرومبت نفسها لم أعد أقوم بها يدوياً. أصبح بناء النظام عملية متكاملة أوجّهها بخبرتي، لا بكتابة الكود سطراً سطراً.
#### الخلاصة: الخبرة تصنع، والأداة تنفّذ
عندما أتعامل مع أي مشروع تقني، لا أنظر إليه من زاوية الواجهة فقط، بل إلى ما خلفها: الفكرة، والهدف، والصلاحيات، والبيانات، والأمان، وقابلية التوسّع. هذه النظرة لم تأتِ من دراسة نظرية، بل من رحلة طويلة عشت فيها التقنية مرحلةً بعد مرحلة.
وأنا مؤمن بما خرجت به من هذه الرحلة: التطوّر الحقيقي ليس في امتلاك الأدوات، بل في فهمها وتطويعها. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، فإن كل من يملك الخبرة والفهم العميق، يملك القدرة على أن يصنع ما يشاء.
